يا اهلا و سهلا بيك في عالم فيلمنا النهارده، عالم الفيلم النهارده مش كيوت، مش للناس اللي بتاكل كشري بشوكه، لو فاكر انك داخل تشوف فيلم لطيف عن شاب بيلعب جاز، فانت غلط يا صديقي، الشاب هنا مش بيلعب جاز، الشاب هنا بيجيب جاز.
الفيلم هنا اشبه بحرب، حرب قاسيه جدا، الطبله هي الرشاش، و العصيان هي الرصاص، و المايسترو هو القائد السادي اللي هيهرس كرامتك تحت جزمته عشان بس يطلع منك اسطوره. فيلم بيخليك تفكر هل فعلا الهوس هو الطريق الوحيد للتميز بين العادين، هل فعلا التضحيه بحياتك كلها هي المهرب الوحيد من انك تكون “نكرة”.
اهلا بيك يا عزيزي في عالم “Whiplash” اربط حزامك و استعد لمراجعه فيلم جديد، عارف ان بقالي كتير متكلمتش عن الافلام بس ادينا رجعنا بجرعه دسمه جدا، اتمني تستمع.
الكتابة
خلينا نتكلم شوية عن كاتب الفيلم العظيم جدا، دامييان شازيل، دامييان في الحقيقه كان عازف طبول و هو في ثانوي، كان في فرقه المدرسه بتاعته (Princeton High School Band)، و طبعا كلنا عارفين اللي جاي بعد كده، دامييان كان عنده نسخه من شخصيه الفيلم، و هو فليتشر، الشخص الحقيقي كان اسمه “انتوني مازييلو”، علي النقيض من فليتشر، انتوني كان شخص هادي، مكنش بيحدف الناس بالطبول و لا بيشتم، بس كان دايما معيش دامييان في قلق نفسي، و ضغط عصبي، ده اللي بعد كده ادي ان المسكين دامييان يفقد الشهيه قبل كل تمرين و تجيله كوابيس صبح و ليل.
و بعد كده في تصريح دامييان قال، ان عكس ما كل الناس فهمت، الفيلم مش عن حب الموسيقي ابدا، الفيلم عن الخوف من الفشل.
بصراحه دامييان عمل شغل ممتاز، في انه يحول القصه التقيليديه اللي كلنا عارفينها بين صراع الطالب و الاستاذ، لقصه ملحميه، استخدم فيها ذكاء كتير في بناء الشخصيات اللي بعد كده هيكونوا ايقونيه و هيبقوا بجد اساطير.
الشخصيات
فليتشر
فليتشر بالنسبه لي، كان صايع، شخصيه ذكيه، فمثلا قدر يستخدم اسطوره زي “تشارلي باركر” عشان يخدم تخيلاته الزائفه، و يبيع الوهم في اكياس، فهتلاقيه انه كان بيعدل في التاريخ بمزاجه، زي ما قالك انه “تشارلي” عمره ما كان هيبقي عظيم الا لما “جو جونز” حدفه بالصاج بتاع الطبله، بس اللي حصل في الحقيقه غير كده تماما، اللي حصل ان “جو جونز” ضربه ضربة خفيفه خالص، عشان يوقفه عن العزف بس، فليتشر هنا حط بهارات علي القصه، عشان يبرر ساديته و يقنعك ان الاهانه هي الوقود الوحيد للعبقريه و العظمه.
فليتشر كان برضو عبقري فطبيقه لمبادئ القيادة السامة او ما تعرف ب “Toxic Leadership Scale”، فهتلاقي انه بيهينك و بيتنمر عليك بل و بيشتمك، بعدين يبدا يتطور و يخش في مرحله عدم التوقع، بيبن قد ايه الشخص ده مريض، من خلال انه في لحظه بيبقي هادي و بيغني و مبسوط و بعدين يتحول و يقلب عليك، يتعصب، يشتم، يضرب، و ده اللي يعرف ب “Benign Façade” او القناع الحميد بيستخدمه عشان دايما يخليك متوتر، قلقان، مستني الحركه اللي جايه. و اخيرا النرجسيه، هو مش شايف انك طالب او انسان، هو شايفك اداه، اداه بتخدم خططه عشان يبقي عظيم، الاداه ديه لو مطلعتش اللحن اللي هو عاوزه، فهيكسرها و يجيب غيرها. لان هو اساس الكون و هو الاعظم و الشخص الاكثر عبقريه.
اندرو نيمان
اندرو، او البطل في الفيلم ده، مكنش مجرد ضحيه، بس هو كان عنده الشراره، اندرو كان شخص فعلا مهووس بس مش اوي، مستني اللي يزقه الزقه اللي تخليه يكمل، و هنا فليتشر خد الشراره و ولع فيها، التحول اللي حصل له خلاه يقطع علاقته ب “نيكول” صاحبته (يبني هو حد لاقي)، لانها بكل بساطه “هتعطله”، و حتي ساب ابوه عشان بالنسبه له هو المدرس الثانوي اللي “فشل” يبقي كاتب، و هنا ابوه بيمثل المتوسط اللي اندرو خايف منه و بيحتقره.
اندرو في قصتنا مكانش بيحارب فليتشر، ابدا، اندرو كان بيحارب العادي اللي في جيناته، بيحاول التغلب علي الطبيعي، بيحاول يبقي دايما الاعظم، كان بيحاول طول حياته، بس مكنش عنده الوقود، و لما وصلت الشعله، ولع و مبطلش اشتعال، الدم و هو بينزل من ايده، الحادثه اللي عملها، و اخر مشهد في الفيلم و هو بيدوس علي كل احساس وجع في جسمه عشان يثبت للجميع انه فعلا عظيم، بيبن قد ايه اندرو دماغه خلاص بطلت تفكر بمنطقيه، مبقاش عندها مشاعر، او عقلانيه، كل اللي همه دلوقتي انه ازاي يثبت للناس و لنفسه انه مش عادي.
الإخراج والمونتاج
من راي المونتاج و الاخراج هما عامل اساسي فان الفيلم ده يطلع بالحلاوه و الجمال ده، فالمونتير هنا اتعامل مع الفيلم كان “فيلم ملاكمه” هتلاقي عندك قطعات سريعه جدا، بين عرق اندرو و الدم اللي بيطير علي الطبله، عيون فليتشر اللي زي الصقر، و تنفس فرقته، الكاميرا دايما بتتحرك، الاجواء دايما فيها اكشن، و عمر ما المشهد هدي.
وزي معظم افلام دامييان، الالوان هنا بتلعب دور مهم جدعان، كل لقطه بتشوفه ليه رمزيه معينه، خلينا مثلا نقول في اول الفيلم خالص، البطل اندرو كان لابس تيشيرت لونه ايه، طبعا انت مش عارف، ما انت لو تسيب الموبايل، كان لابس تيشيرت ابيض، بيمثل الصحه في الهوس بتاعه، هو اه بيحب المزيكا، بس حب صحي، مع ذلك بمرور الوقت، التيشيرت بيبدا يغمق، بيبدا ابيض، ثم رمادي، ثم ينتهي به الامر اسود، هنا المخرج بيوضحلك عقل اندرو البطل و هو بينتحر، تفصيليه جميله محدش ممكن ياخد باله منها.
زي ما اتكلمنا عن الوان تيشيرت اندرو، لازم برضو نتكلم عن لون تيشيرت فليتشر، اللي كان اغلب الوقت اسود، بيمثل انه غبي و سادي بس قوي عنده السيطره و التحكم في كل اللي تحته، تبدا تشوف اللون ده بيتغير امتي، بالضبط كده اول ما يتطرد من المعهد، و يروح يعزف في مقهي مغمور، التيشيرت بتاعه لسه غامق مقلبش ابيض يعني، بس مش اسود، بيوضحلك انه اه لسه مجنون و سادي، بس معندوش السيطره و التحكم بتاعه خلاص كله راح.
تفاصيل صغيرة ممكن مش الكل ياخد باله منها بس بتكمل و بتخدم الفيلم جدا، بتديله روح، لما تشوف فعلا تعب المخرج في اخراجه و انتاج التحفه الفنيه ديه
فلسفة “مش كفاية”
من راي فليتشر مفيش اسوء من انك تقول لحد “احسنت يا ابني”، ده بيدله شعور وهمي بالانتاج، بيحسسه انه فعلا حاجه، فيتكاسل فيضيع كل الامكانيات اللي عنده، من رايه الدافع الوحيد اللي ممكن يخلي بني ادم يبقي عظيم هو السخرية و المرمطه، الضغط، العصبيه، و الهوس.
الفيلم بيحاول يوصل فكره فليتشر، عن طريق انه يوضح دايما انه مش الكويس انك تكون عادي، العادي ده نكره، تقدر تشوف ده بوضوح في مشهد العشاء العائلي الدافئ، و كل واحد بيحكي انجازته زي ابن عم اندرو اللي مبسوط عشان عمل انجاز في “Division 3 Football”، اهله كانوا مبسوطين و فخورين جدا بيه، في حين ان اندرو كان مضايق انه اهم عازف طبول في اهم معهد موسيقي و محدش مهتم، العالم بيحب المتوسطين، العاديين، بيعملهم تماثيل، بس اندرو كان مستعد يتدمر عشان يبقي عظيم.
النهاية: انتصار ساحق ولا جنازة لسه مابدأتش؟
من وجهه نظري، ديه احلي نهايه شوفتها في حياتي، هي بتوريك وجهتين نظر عكس بعض تماما، وجهه نظر الطاب و وجهه نظر الاب
- وجهه نظر الطالب: اندرو بقا خلاص مش مجرد عازف، جه بقا اسطوره المسارح، سحب السجاده الحمراء من تحت فليتشر و فرشها قدامه، هو اللي بدا العزف من غير اذنه، و هو اللي قاله في نص العزف “انا اللي هدي الاشاره”. في اللحظه ديه اندرو بكل فخر، حس انه استلم العصايه، و بقي هو المايسترو الحقيقي.
- وجهه نظر الاب: والد اندرو كان واقف ورا الستره، نظرات الرعب في عينه، هو اه شايف ابنه “ناجح”، بس في نفس الوقت شايف “كائن غريب”، مجنون، مستنزف، بيحرق في نفسه عشان يرضي شيطان لابس اسود، الاب هنا بيمثل نوعا ما الانسانيه، اللي اندرو رمها في الزباله عشان يوصل لهدفه.
و بعد كده دامييان في مقابله كشف ان اندرو غالبا هيموت وحيد، فاشل اجتماعيا، ما انا يبني قولتلك جيرلفريند ايه اللي تسيبها ديه، سبب موته هيكون جرعه مخدرات زياده و اكيد في سن التلاتين، يعني اللحظه اللي هو كان فرحان بيها ديه و هو بيستلم العصايه، ما هي الا بدايه النهايه، نهايه الاسطوره العظيمه اندرو.
الخاتمة
في النهايه احب اشكرك انك كملت المقاله لحد الاخر، و لو متفرجتش علي الفيلم، اتفرج عليه، هيعجبك، و لو اتفرجت انا اسف يبني علي التروما اللي هتحصلك، مش عاوزك تكون مهووس بحاجه لدرجه النزيف، بس عاوزك تفهم ان العظمه ليها تمن، معظم الناس اجبن من انها تدفعه، بس لو عاوز تبقي اسطوره، اعرف التمن اللي هتدفعه، اعقلها، و ابدا علطول رحلتك فانك تدور علي فليتشر، الشخص اللي هيخليك اون فاير، حرفيا!!!
وبس كده، متنساش تسيب كومنت و لا حاجه و انت ماشي، عاوزين افكار للمقالات اللي جايه. سلام يا صاحبي.