المقدمة
اهلا بيك، اعتذر لقلة الانتاج بس يعني الواحد شكله عنده Writing Block. بس اظن رجعنا تاني لغزارة الانتاج. اتمني تكون قاعد مرتاح و معاك مشروبك المفضل عشان الرحلة المره ديه طويله شويتين تلاتة.
خلينا نرجع مع بعض لورا كام قرن، مش كتير اوي يعني هنرجع قرن واحد. في بداية القرن التاسع عشر مع دخول بقا الثورة الصناعية في مصر. هنبص علي مصر من تحت شويه، ايوه من ناحية الصعيد برافو عليك. اصحاب الاراضي بدوا يشتروا مكن انجليزي و ايطالي و الماني و اي جنسية انت عاوزها. كانوا بيعملوا مكن او معدات تقيلة لورش الخراطه، السكك الحديد، مطاحن الغلال، و حتي مكن للري. المنافسة الاكبر كانت بين تلات انواع مكن و يتمثلوا في المكن الالماني، الايطالي، الانجليزي. الصعيدي بص للمكن بالتلات انواع المختلفة ديه، و لاحظ حاجه جميله جدا، المكن الايطالي و الانجليزي محتاجين صيانه و تزييت متكرر و مينفعش ابدا تتعافي عليهم شويه و تسيبهم شغالين فتره طويله لانهم هيسخنوا منك و في الاغلب هيبظوا.
قام الصعيدي بص للمكن الالماني، و كان الله اكبر يعني بيشتغل بالايام متواصل في الحر و العفره و سط الغيط من غير ما تعطل خالص. الصعيدي اتفاجئ جدا من الدقه و التحمل و بالفعل بص للمكنه و قال “يا ابوي ده المكنة الالماني مبتريحش واصل”. و بدات الجملة تتناقل عبر اهالي الصعيد و بعد كام سنه حلوين بقا يتقال علي اي حاجه دقيقه و قويه و مبتريحش واصل المثل المعروف “ديه مكنه الماني”.
الحج محمد فاوست
في الحقيقة، الحج محمد فاوست ديه كان افيه من احد المدرسين في المدرسه اللي مش عاوز اقول اسمهم يعني. كان بيحط الحج محمد قبل اي عالم مشهور عشان يخيله مصري لسبب ما معرفش ايه هو. كان متوقع منا نضحك لسبب اللي في دماغه ده، بس كنا بنضحك بجد مش عشان ناخد درجات لا لا بنضحك من كتر العبث.
لسبب ما لما اتفرجت علي حلقة السعدني بتاعت فاوست انا كنت متاكد اني لما احط الحج محمد قبل اسمه مش هتبقي افيه الراجل ده مصري ميه في الميه.
للي منكم ميعرفش مين فاوست اصلا روحوا اتفرجوا علي حلقة السعدني هتعجبك جدا و بعدين ارجعوا كملوا المقالة. بس بما اني عارف انكم هتكسلوا تعملوا كده. فهنقولها بشكل سريع برضو.
يوهان جورج فاوست
في الفلكور الشعبي الالماني، يوهان فاوست كان طبيب، و ساحر ومشعوذ و كل حاجه، عاش في الماني من حوالي سنه 1480 لحد 1540. فاوست كان تقدر تقول عليه خبراء التنمية البشرية بتاع عصره. بيمشي علي القري و المناطق المختلفه، يستغل جهل الناس و يعمل نفسه بيمارس خدع سحريه. و يقراء الكف و الرجل و القهوه و الوش و اي حاجه بتتقرئ، بس بمجرد ما يعرف ان في حد فاهم و ذكي الي حد ما بيجري و يهرب يبيع وهمه في حته تانيه.
في سنه 1540 بقا، بنوصل مع فاوست و حصانه و كلبه لمدينه صغيره في سويسرا، الهدف من انه يروح المدينة ديه بسيط جدا رايح يبيع الوهم برضو. المره ديه كان لرجل بسيط جدا خسر كل فلوسه بعد ما خسر مناجم الفضه بتاعته، الرجل جاله يأس رهيب و كان مستعد يجرب اي حاجه بس في سبيل انه يرجع تاني. فسمع عن فاوست العالم الكيميائي الشاطر اللي مفيش منه اتنين و بالفعل الرجل جابه و قعده في فندق علي قده.
الهدف من القعدة ديه، بعيدا يعني عن بيع الوهم، انهم يحولوا المعادن لذهب. و عارف النتيجة كانت ايه؟ بالضبط كده في ليلة كل الناس بتصحي علي انفجار ضخم جاي من اوضة فاوست. و اول ما بيفتحوا عليه الباب بيلاقوا جثته متشوهه بشكل غير طبيعي. ادي اخره اللي يلعب مع الكيمياء يعم. و لكن اعداء فاوست او اي حد متدين ساعتها شاف الموضوع بنظره مختلفه تماما.
ساعتها اعداء فاوست قرروا ان اكيد اللي حصل ده مش تجربة كيميائيه فاشله و عدت، بل ان فاوست كان متعاقد مع الشيطان، في صفقة بسيطة جدا هتحولي المعادن لذهب تاخد روحي. و الشيطان جه عشان ياخد نصيبة من الصفقه الا و هي روح فاوست بالمنظر البشع اللي اتاخد بيه. من هنا بدات تنشأ الاسطورة و هي الرجل الذي باع روحه للشيطان.
يوهان فولفجانج جوته
بعد ما الاسطورة بتبدا تنتشر، الموضوع تحول لقصة جميلة جدا علي مر العصور قدر اكتر من كاتب ياخدوها و يحولها لكتب تنجح بشكل غير مسبوق و يعاد طبعتها و نشرها اكتر من مره. كانت اخر نسخة من القصة قبل ما الكاتب الالماني جوته ياخدها و يبدا يشتغل عليها. ان فاوست تحول من الشخص اللي بيبع الوهم، للشخص اللي دايما عاوز يعرف اكتر. و كنوع من انواع المقايضاه اتفق معاه الشيطان علي 24 سنة هيعمل كل اللي عاوزه فاوست و يعرفه كل حاجه هو عاوزها و في المقابل بعد 24 سنة فاوست هتتاخد روحه للشيطان. في عقد مكتوب بالدم.
بعد ما القصة بتبدا تمر بكذا تغير بتقع في ايد جوته. الكاتب و الشاعر الالماني يعني اشهر من النار علي علم. بدا جوته ياخد القصة و يحولها لحاجه اسمي و ارقي بكتير من مجرد واحد بيبع الهواء في ازايز قرر يتعاقد مع الشيطان. و ديه تقدروا تسمعوها من السعدني احسن و اسرع بكتير من اني اكتبها.
بس الشئ الاساسي اللي عاوزين نطلع بيه من نسخه فاوست بتاعت جوته، انه تحول من الشخص اللي بيبع الهواء في ازازيز، للشخص اللي بيعافر عشان يجاوب علي اسئله ملهاش اجابه، الشخص اللي بيحاول يوصل للحظه اللي يقدر يقول فيها اقف يا زمن خلاص عاوز افضل استمتع باللحظه ديه.
فاوست المصري
لما نرجع بقا للموضوع الاساسي، و اللي هو ليه انا اول ما سمعت قصه فاوست، خصوصا بتاعت جوته صدقت جدا انه مصري. فعشان ابين ده ليك خليني اخدك في رحلة ماذا لو كان فاوست مصريا؟
عشان اخليك تتخيل الموضوع ده اكتر. ممكن نبص علي حياتي انا شخصيا بصه سريعه، هنلاقي ان زياد حسام، اتولد في احد مستشفيات القاهره، دخل بيته، مسك العابه، بص يمينه لقي مامته بتقول هو ازاي لسه متكلمش و ابن عمه نفس السن و اتكلم.
فنطق اول كلامته قائلا: “ايه؟” ساعتها ابوه قال ممزحا: “قلبظ بجنيه.”
كبر زياد و دخل المدرسة و كان كل سنه يطلع من الاوائل. بس مازال مش كافي عشان ابن عمه بيجيب اعلي منه. استمر الوضع كما هو عليه، لحد ما زياد اتحول من الشخص اللي لازم يبقي احسن من ابن عمه. الي الشخص اللي ابن عمه بيطمح يبقي زيه.
بس عارف ايه اللي حصل في الرحلة ديه علي عكس ما انت متوقع، بالضبط كده زياد بقا فاضي مبقاش عارف هو بيعمل ايا كان اللي بيعمله ده ليه. حافز المقارنات راح لانه خلاص كبر و ادرك ان “اي العبط ده؟” اولا. ثانيا هو عدي ابن عمه، ساعتها دخل حافز جديد حياته بس مش هنتكلم عليه دلوقتي.
المهم انت ملاحظ الشبه، ملاحظ النمط اللي تقربيا معظم البني ادمين ماشين عليه؟ لا؟ طب خلينا نبسطها اكتر.
صديقي الانسان
الانسان من ساعه ما اتخلق من ايام قابيل و هابيل. اللي بيحركه هو المقارنات و “الاكتر”، معنديش كلمة اوصف بيها “الاكتر” ديه بس خليها كده. الانسان دايما بيحس من جوه اشمعنا هو و انا لا، و موخراً في مصر بالذات بدات سياسية انت عندك مخ و هو عنده مخ ليه هو يوصل و انت لا. بدون النظر للارزاق اللي ربنا موزعها و لا اي حاجه هي اصبحت عافيه انا عاوز ده هفضل اموت نفسي لحد ما اوصله.
دايما الانسان بيبقي عاوز اكتر من اللي عنده، بس اول ما يوصل بيحس بفراغ، انا عملت ديه ليه اصلا؟ هل ده فعلا اللي كنت عاوز؟ و عشان يريح دماغه من الدوشة ديه بيبص لابعد نقطه بعد اللي هو واقف عليها ديه. و يقول اكيد لما اوصل هناك هبقي احسن. لحد ما الانسان بقا من وجهه نظري مدمن “الاكتر”! ايا كان بقا الاكتر ده معرفة، حب، جرعة مخدرات مش هتفرق المهم ان الانسان يفضل ياخد اكتر عشان اول ما يوقف هيحس ان كل اللي عمله ده ملوش لازمه.
علي الناحية التانية في قصة فاوست بتاعت جوته، فاوست كان بيعمل كل ده عشان يوصل لمعرفة اكتر، عشان يجاوب علي اسئلة هو عارف كويس ان مخه ميقدرش يجاوب عليها عشان ده الحد الاقصي خلاص يبني الباقة خلصت. مع ذلك عمل الصفقة مع الشيطان رغبة منه في انه يتذوق اللحظه اللي هيوصل فيها للاجابات بتاعته كلها.
و ده بالضبط الشئ اللي خلاني احس ان فاوست مصري، ال stereotype بتاع البني ادمين ده منكرش انه موجود عادي في كل دول العالم. بس احنا اكتر ناس عندنا ثقافة المقارنة، ثقافة انك تفضل تحسس نفسك انك قليل و تربط نفسك بانجاز معين او مكان معين لازم توصل عشان ساعتها مكانتك تتحسن. بس خمن ايه اللي بيحصل اول ما توصل؟ بتحس انك فاضي و انك اللي عملته ملوش لازمه. ده طبعا و احنا بنتخيل انك وصلت بالفعل، لان في احتمال اوحش انك متوصلش ساعتها هتتدمر و انت بس بتحاول. مصر هي المصنع الاساسي للشخصية الفاوستيه.
الصفقة الفاوستية
عارف كمان في مصطلح اظن محدش بيستخدمه -او ممكن بيستخدم يعني- هو الصفقة الفاوستية. مصطلح طلعته علي اي صفقة بتضحي فيها بحاجه كبيره اوي من اجل مكسب سريع و مؤقت. الصفقة ديه انت بتعملها كل يوم تقربيا، و ايوه متستغربش انت كل يوم بتقعد علي الموبايل و تسكرول في الريلز و الشورتس و اي حاجه ملهاش لازمه. انت بدل ما بتتقايض بروحك انت بتتقايض بجزء صغير منها، كام ساعه، اللي بتتحول بعد كده لكام يوم، بعدها لكام شهر و هكذا لحد ما في لحظه تدرك انك ماشي تضيع في عمرك كله بس عشان تحس بشوية دومابين. وده اللي هياخدنا للنقطة الجاية. و هي الانتاجية.
الانتاجية
كان نفسي المقالة ديه تبقي فيديو يوتيوب عشان يبقي في افكتات كتير دلوقتي علي الشاشة بيتكتب انتاجية و يجي فيديوهات و صور سريعه لناس شغاله من التسعينات لحد دلوقتي. بس للاسف مبعرفش امنتج فتخيل اللي انا قولته دلوقتي ده دلوقتي. و خلينا نتكلم شوية عن مصطلح الانتاجية، المصطلح ده بالمفهوم الحالي ليه ان انت بتحسن كفاءة الانسان و ادارته لوقته و يومه عشان يحقق اقصي انجاز ممكن. انت متخيل اللي انت بتقراه؟ مش مهم خلينا نرجع لاصل المصطلح ده و جه منين اصلا.
في نص القرن ال 18 كدهون يعني، ظهرت كلمة Productivity في اللغة الفرنسية الكلام ده كان سنه 1766 علي ايد واحد اقتصادي اسمه “فرانسوا كيسناي” اسم فرنساوي جدا يعني، ما علينا المصطلح ده بقا بدا ينتقل حول العالم بالتحديد للانجليز في السنوات اللي جايه.
الاستخدام في الوقت ده كان بس مقتصر علي الاقتصاد، الزراعه و المصانع. و كان بس بيوصف كمية المخرجات مقارنة بالمدخلات شئ منطقي جدا. و مكنش لسه بدا استخدامه علي البشر. الكلام ده فضل مكمل لحد بدايه القرن العشرين.
في بداية القرن العشرين تحديدا في امريكا، نشر مهندس امريكي اسمه “فريدريك تايلور” كتاب اسمه “مبادئ الادارة العلمية”. هنا كانت بذرة قياس انتاجية العمال في المصانع عن طريق حركة الجسم و ساعات العمل. كل الهدف من الكلام ده كان بس انه يقلل الوقت الضائع اللي بيضيع في خطوات العمال اللي ملهاش لازمه. وهنا كان اول وصف للانسان كانه جزء من المكنة!! افعال الانسان بتاثر علي انتاجية المكنه كانه ترس من تروسها.
و في نص القرن العشرين بقا دخل شخص جديد اسمه “بيتر دروكر” نشر مفهوم جديد اسمه “Knowledge Worker” من خلاله وضح ان الشغل مبقاش خلاص مجرد جهد عضلي حنكش و كل ما تحكنش بطريقه اقوي تبقي احسن. لا بدا يدخل فيه ذكاء و تفكير و طرق جديده تماما لتوفير الطاقه عشان تطلع احسن ما عندك باقل طاقه ممكنه.
و نشر كتابه “المدير التنفيذي الفعال” كانت فكرته خلاص بدات تبقي واضح الانتاجية لاول مره اصبح معنها “ازاي الفرد بيدير وقت نفسه، و بيحدد اولوياته و يكون فعال في يومه” بدل ما كان في الاول كل اللي كان محتاجه انه بس يروح المصنع و يعمل شغله و يرجع ينام!!
و من ساعتها بدايه من الثمانينات و التسعينات و لحد دلوقتي انفجرت ثقافة الانتاجية، بدات تنفجر مثلا مع شخص زي “ستيفن كوفي” اللي عمل كتاب زي “العادات السبع للاشخاص الاكثر فعالية” و بدا يغير مفهوم الانتاجيه من مجرد اداره وقت و توفير جهد لحد ما بقا اداره الحياه و القيم و التركيز و و و.
و من ساعتها اتحولت الانتاجية الشخصية لمجتمع كامل و صناعه بمليارات الدولارات الامريكيه الغاليه جدا اللي نفسي تبقي معايا جدا. تشمل بقا كورسات تطوير ذاتك، 11 برنامج يساعدك علي تطوير ذاتك، فيديوهات 11 فكره لروتينك الصباحي حتي تصل لمليون دولار و الكلام ده كله.
الفكره في التحول الغريب ده من ان الانتاجية كانت مجرد مصطلح عشان تقيس بيه النسبه بين مخرجات و مدخلات مكنه معينه مثلا لحد ما بقا مصطلح توصف بيه يومك كانسان بل و يتم تحديد فشلك بناء عليه! حصل ما بين فترتين، من وجهه نظري المتواضعه طبعا التحول ده حصل في فتره ظهور الثوره الصناعية. فليه منروحش نشوف الثورة الصناعية برضو اصل ليه لا؟
الثورة الصناعية
خلينا نتخيل تاني اني السكربيت ده سكربيت فيديو و نعدل الالوان عشان تتناسب مع الحقبه اللي احنا داخلين عليها ديه، اهلا بيك في 1750.
تخيل يا عزيزي اننا و العياذ بالله يعني بنتجسس علي حد باستخدام كاميرا محطوطه في كوخ شخص ما في انجلترا. الكوخ حقيقه يعني جميل جدا مبني من حجاره و شويه طينه و السقف من القش. دلوقتي الفجر اهو جاي يا سلام يا سلام علي الشروق مفيش منبهات و لا اصوات و لا بتاع. الراجل بيصحي علي اول شعاع شمس بيخبط في عينه. و بيدرك صوت الديوك اللي شغال بقاله ساعه مثلا.
بيخرج الراجل ده و هوبا بيبدا شغله علي نسج القماش و جمبه ست هنقول انها مراته بس لسه الفرح كمان اربع سنين يعني. المهم قاعده جنبه بتغزل الصوف. و الاطفال حواليه قاعدين بيلعبوا و يزعقوا. ده يا عزيزي هو بالضبط نفس المشهد اللي كنت هتشوفه في كل بيت في الوقت ده من الزمن، وهو ما يسمي بنظام الصناعة المنزلية. الشغل و الحياه العائليه كانوا كلهم حاجه واحده تداخل رهيب جدا و نعيم و سلام رائع.
طبعا الراجل ده فجاءه هيحس بالتعب و الجوع، هيوقف شغله و يروح يقطع حته عيش و يعمل سدوتش جنبة و يشرب شاي بلبن مع اختلاف المسميات عندهم هناك طبعا. و في اخر اليوم يبص للقطعه اللي عمالها و بكل فخر يقول “عمايل ايديا و حياة عنيا!!” و هو بيتخيل التاجر اللي هيشتريها منه هيبقي عامل ازاي لما يشوفها. و بمجرد ما الشمس تغرب خلاص وقت الننه بيقفل شغله و يخش ينام ميفعش بقا كنت بسهر علي نور الشمع و لا الكلام ده. يدوبك بس يشغلوا الدفايه و يقعد هو و عائلته حواليها يغينوا و يلعبوا.
حاسك اتبسطت اوي يا عزيزي و خدت راحتك كده بس انا عاوزك تمسك الكاميرا اللي كنا بنتجسس بيها ديه و تحركها يمين شويه، اه لا شويه كمان عشان ناخد الكدر كامل. بالضبط كده احنا دلوقتي في اواخر القرن الثامن عشر.
انت دلوقتي شايف قدامك حقول و اصحاب اراضي عمالين يبنوا اسوار كتير، الله الله ده في فلاحين بيتطردوا من شغلهم هو في ايه. في الوقت ده يا عزيزي اصحاب الاراضي اقتنعوا ان الزراعه مبقتش جايبه همها خلاص باختصار يعني. و مبقوش محتاجين ناس تزرع الارض و يصرفوا عليهم فلوس، كل اللي محتاجنيه انهم يصحوا الصبح يرعوا الغنم بنفسهم عشان الصوف بتاعهم بيجيب فلوس اكتر. فبدوا كلهم يسرحوا الفلاحين عشان يوفروا فلوس. ده اتعرف تاريخيا بعدين بقوانين التسييج. ملناش دعوه ملناش دعوه. بس عاوزك تحرك الكاميرا و تزوم كده علي الفلاح اللي هناك دهون.
هنلاقي عزيزي ان الفلاح ده ماسك في ايده بنته، و في الايد التانيه شنطه كبيره جدا و ماشي هو و عائلته في طريقه للمدينة، بحثا عن اي شغل ياكل منه عيش و ملح. الفلاح ده و كل الفلاحين اللي جنبه اللي ماشين في نفس الطريق هيبقوا في يوم من الايام الوقود البشري اللي هيحرك حاجات كتير اوي.
وفي سنه 1776 بنلاقي في ورشه من ورش العالم الاسكتلندي دول، واحد اسمه “جيمس واط” الراجل ده وصل لاختراع تقدر تقول عليه هيشقلب الدنيا، يارتيه ما شقلبه يا جدع. الراجل ده قدر يطور المحرك البخاري، و هنا يطور مش بمعني انه يخترعه من الاول لانه كان موجود من الاساس بس الفكرة هنا انه حوله لوحش، حاجه كده يعني يخربت الكفاءة اللي كان بيشتغل بيها في وقتها. الكاميرا غالبا مش هتقدر تلقط ده بس لو بصيت بعينك هتشوف آلة عملاقة من الحديد عمالة تبلع الفحم و تطلع بخار بدون توقف.
و دلوقتي طبعا انت بتسال انا آلة زي ديه يا حبيبي هحطها في بيتي ازاي عشان اكمل بنفس اسلوب الحياة بتاعي و اشتغل من بيتي. هرد عليك اقولك يا عزيزي من هنا ولدت مباني الطوب الاحمر العملاقة ذات المداخن الشاهقه و التي تدعي “المصانع”!!!
المصانع
عاوزك تحرك الكاميرا تاني عشان نخش جوه المصنع المره ديه في بدايات القرن التاسع عشر. الدنيا دوشة جدا لدرجه تجبلك طرش. في مكنة في نص المصنع اكيد ده المحرك البخاري عمال بيلف يجي مليون حزام من الجلد متوصل بآلات النسيج. كل بني ادم محطوط قدام الاله و بيشتغل من غير توقف. المثير للاهتمام في المشهد اللي كله جد و عرق ده الساعات الكبيره جدا اللي محطوطه يعتبر فوق راس كل واحد. و ديه لاول مره تحصل خلاص تم استبدال الشمس عشان تعرف معاد نومك و معاد صحيانك و مبقاش في حاجه اسمها انا تعبت هروح اعمل سدوتش جبنه!!!
دلوقتي ده زمن الساعات. صفارة المصنع بتصفر تعمي ودنك مش تطرشها بس كل يوم الساعه ستة الصبح. اتاخر دقيقه و يتخصم نص فلوسك النهارده. و دلوقتي الوقت بقا بيتقاس بالقرش.
في اللحظه ديه الرابط ما بين الصانع او الحرفي و قطعته، مبقاش موجود، مبقاش في شخص يخلص قطعته و يقول الله انا مشتاق اشوف نظره التاجر اللي هيشتريها مني و هو فخور. دلوقتي الانسان تقدر تقول انه بقا مجرد امتداد بيولوجي للآلة بيقف في نفس المربع كل يوم بال 14 ساعة، كل مهمته انه يسحب ذراع ميكانكي او يراقب السير او اي مهمه ما.
هو مش شايف المنتج النهائي هو محطوط عند خطوه معينه علي ال repeat. الانسان ساعتها اتسلب منه الاحساس بالقيمة و معني القطعة اللي هو بيعملها. عارف الاسوء ايه يا عزيزي؟ صحاب المصانع بدوا حبة حبة يقارنوا انتاجية العامل البشري بانتاجية الآلة اللي من حديد ديه ايوه. فالانسان عشان يحافظ علي اكل عيشة بدا يحاول اعادة تشكيل نفسة و كفاءته و سرعته لسرعه الحديد. ومن هنا تيجي بذرة الموضوع اللي بنتكلم عليه.
بس قبل ما نخرج بره المصنع عاوزك تودي الكاميرا بتاعتك هناك عند الزوايه اللي محدش واخد باله منها ديه، ايوه هي ديه، هتلاقي هناك اطفال صغيرين ايوه بالضبط كده، صحاب المصانع ساعتها كانوا بيجبوا ناس اطلق عليهم بعد كده اسم ال “Scavengers” و هما عيال اطفال احجامهم صغيره بيلموا القطن من تحت المكن.و اجورهم شبه معدومة، و عشان اطفال اصحاب المصانع ضامنين انهم اضعف من انهم يتمردوا لو قالهم اشتغلوا لمدة 14 ساعة!! و في كتير من الاوقات كانت الآلات بتسحق اطرافهم لو حد منهم نام بالغلط و لا تعب. شايف احنا الكاميرا وديتنا من مشهد عامل ازاي لمشهد عامل ازاي؟
الانهيار
شايف اخر مشهد احنا اختتمنا بيه الجزء اللي فات، هو ده الدليل الدماغ علي حال الناس في الوقت ده، في الوقت ده من ظهور الثورة الصناعيه و بداية معاملة البشر كانهم جزء من الآلة تقدر تقول حصل زي انفجار نفسي، معدلات الاكتئاب و الانتحار ضربت خالص. طبعا مش بالشكل اللي بقا فيه الوضع اليومين دول بسبب السوشيال ميديا. بس كانت برضو لا تزال عالية جدا.
في دراسة اتعملت لعالم الاجتماع الشهير “أميل دوركايم” فسر ساعتها أميل ارتفاع معدلات الانتحار ده بمفهوم ال “Anomie” عشان بس منترجموش حرفيا و يبوظ معناه خلينا نشرحه.
المفهوم ده بيشرح الظاهرة اللي حصلت وقتها و هي ضياع و توهان جاي من تفكك كل الروابط الاجتماعية القديمة و تحول الانسان لمجرد ترس حي في مكنه كبيره، كل اللي مطلوب منه انه يصحي كل يوم في نفس المعاد و يباشر عمله.
طبعا عشان منباش هنا منحزين و بتاع لازم نجيب برضو حاجات ايجابية في الثورة الصناعيه ديه. فهنلاقي مثلا ارتفاع متوسط الاعمار بسبب التكنولوجيا و الطب المتقدم. بس كده مفيش ايجابيات تاني!
طب و بعدين؟
بعد ما دخلنا في كل انانيب عقلي الغريبة ديه، دلوقتي انت اكيد مش فاهم ايه اللي بيحصل ايه اللي جاب الشرق للغرب للشمال. في الحقيقه يا عزيزي انا عيني شافت الشرق و الغرب و الشمال كلهم كاتجاهات و جمعت المشترك ما بينهم. فخليني اديك نضارتي عشان تشوف اللي انا شايفه.
بعد ما شرحنا الثورة الصناعية و صورنا صور كتير جدا بالكاميرا بتاعتنا، كنا اصلا طالعين من انبوبة الانتاجية. و هنا كان الغرض الاساسي انك تعرف كلمة انتاجية في حد ذاتها جت منين. و اديك عرفت معاناة الناس ساعتها و من ساعه ما طلعت كلمة انتاجية ديه و الانسان بقي بيستمد كل قيمته من حجم انتاجه و رصيده في البنك و خلاص.
الفكرة بقا عزيزي، اننا بقينا في دوامة مش بتخلص. زي ما تناقشنا انا و انت في اسطورة فاوست العظيم و قدرنا نستنج سوا ان الانسان بيحب المقارنات و بيعشق سياسية “الاكتر” فدلوقتي نمط الحياة بعد الثورة الصناعية خلي الناس غصبن عنها تبدا تدخل في الدوامة ديه.
في دراسة عملتها جامعة هارفرد، النتائج بتاعتها ان من 60% لحد 80% من الموظفين بيعانوا من الاحتراق نفسي او يعني اللي معظم الناس بتقول عليه “Burnout” السبب الرئيسي للكلام ده مش زي ما انت متوقع لا لا مش بسبب انهم بيشتغلوا اكتر. بس بسبب انهم دائما عندهم شعور دائم بالذنب، لانه “مش منتج كفاية” مفهوم مكنش عند الفلاح و لا الحرفي القديم اللي كان يومه كله عباره عن عيلة سعيده و سدوتش جبنة و شاي بلبن.
بسبب الآلات و التكنولوجيا عكس ما كان متوقع انها تخلينا اسعد و نشتغل اقل. هي خلقت سباقات مش بتنتهي. و بدل ما الناس تبص للجانب الحلو انها بقا عندها آله بتسرع الشغل 10 مرات، لا لا الانسان بقا بيطلب من نفسه يعمل انتاج 10 اضعاف في نفس الوقت. عشان لو مش فاهم خليني اصيغها لك في شكل جمالي جدا.
لقد اخترعنا الآلة لكي تحررنا من المشقة فنعيش أنسانيتنا، لكننا وقعنا في الفخ، أصبحنا نقيس أنسانيتنا بكفاءة الآلة. الآلة التي لا تتعب، لا تحزن، و لا تحتاج لنوم او وقفة تأمل، و حين حاولنا تقليدها، لم نصبح آلات ممتازة، بل أصبحنا بشرا محطمين. زياد حسام 30/6/2026
انا زي ناس كتير جدا اتغسل دماغي بفيديوهات الانتاجية، و كن افضل من نفسك و و و و، لدرجة اني لما فوقت مبقتش بفكر غير في قد ايه انا كنت عبيط. عارف فكرة انك تصدق واحد بيقولك انك لازم كل يوم تتحسن 1% عشان في اخر السنة تتحسن 365%. من امتي و احنا بنتعامل زي الآلات و بقا لينا نسبة تحسن من امتي و انسيانتنا بتتقاس بارقام. في اول المقالة خالص قولتلك اني بعد ما خلصت من مقارنة ابن عمي دخلت في سكة تانيه عشان تخليني اكمل اللي بعمله و ديه كانت سكة فيديوهات انت تقدر تعملها و اربعه عادات يفعلها النجاحون.
مشعارف انت مستوعب و لا لا، بس تخيل انك بقيت عايش في مجتمع بيعمل روتين للنجاحين، اي حد بيعمل غير كده هو فاشل، اي حد بيصحي الصبح يشرب كوبايه مياه و يعمل اي عبث مستحيل يوصل للمليون دولار. لازم تصحي الساعة خمسة الفجر، و تنزل تجري اربعة كيلو كده اقل حاجة، بعدين ترجع تاخد دش ساقع، و تقرا كتاب لمده 30 دقيقة و تبدا يومك.
شارلي شابلن
انا اتفرجت علي فيلم واحد بس لشارلي شابلن، و بالحظ الفيلم اسمه “Modern Times” الفيلم بيتكلم عن معاناه الشباب في المصانع بشكل كوميدي ساخر و بتاع. الصورة اللي مش راضيه تتمسح من عقلي ابدا هي صورة شارلي شابلن و هو محشور جوه تروس المكنة الضخمه. رخم انه في سياق المشهد بتضحك بس بره السياق هو ده بقا حال الانسان مسحوق من كل التروس اللي حواليه. ترس منهم السوشيال ميديا و المقارنات و ترس منهم مطلبات الحياه و ترس منهم و ترس منهم و مش هنخلص.
الخاتمة
الحقيقة انا بس اللي عاوز اوصله من مقالة الغضب ديه كلها علي النظام ده، اني مش عاوزك تبقي مكنة الماني، مش عاوزك تبقي الشخص اللي بيشتغل من غير ما يشتكي و لا يتعب. اخرج بره قارب تحسين الذات و قياس اهميتك بعدد التاسكات اللي علمت عليها في كراستك. و اصحي عيش يومك زي ما يجي، ذاكر اللي تقدر عليه، اكتب اللي تقدر عليه، و اعمل كل حاجه باللميت اللي انت مخلوق عشان تعمله بيها.
علي عكس فاوست اللي فضل عاوز اكتر لحد ما وصل في نهايه القصه للحظه اللي هو عاوزها و اتبسط اخيرا، انت مش فاوست و لا معاك الشيطان. اتباعك للروتين المثالي و الهبل ده كله هيحولك من فاوست لسيزيف!!! الشخص اللي كل يوم بيصحي يجر طوبة عشان تقع عليه تاني يوم الصبح و يبدا من الاول.
وعشان محدش يفهمني غلط، انا مش بقول متتحسنش و كلنا نقعد بقا كده لا شغله و لا مشغله، بس انا عاوز الناس تبطل هوس الانتاجية، تبطل تديلها اكتر من حجمها، و تقيس انت عملت كام تاسك النهارده، و عملت عاداتك و لا لا و تفشل في تحقيقهم. فتصحي بعده تقضي يومك كله بتدور في فيديوهات اليوتيوب عن طريقة عشان تلتزم بالعادات. عادات اصلا مش شرط تعملها عشان تبقي ناجح. المجتمع دلوقتي فرض علينا قالب و غسل مخنا بهوس الانتاجية ده و عاوزنا كلنا نتحول لبشر محطمة.
بطل اصلا تقارن نفسك بنفسك بتاعت امبارح -بمعني اصح بطل تحول حياتك لجدول مقارنة كل يوم- و الكلام ده، اصحي و حاول علي قد ما تقدر تعمل كل اللي تقدر تعمله في يومك، جه الحمدلله مجاش الحمدلله برضو و خش نام عشان تصحي تاني يوم عندك طاقه انك تحاول من جديد. ساعتها بس هتتحول من شخص عمال يقارن هو عمل ايه امبارح بعمل ايه اول وبيتحسر علي البرايم بتاعه اللي ضاع من سبع سنين. لشخص كل لحظه بالنسبه له اجمل لحظه و فيها يقدر يقول “توقف يا زمن..كم انت جميل!!“.
و بس كده لو عجبتك الرحلة الطويلة ديه اتمني تنشرها مع اي حد تعرفه عشان ابقي مشهور اكتر من ابن عمي. كان معكم زياد حسام من الشبكة العنكبوتية