ادم شخص غير موجود بالمره، و لكنك عارفه جدا جدا، ممكن تكونوا اكتر من الاخوات. انت عارف كل اللحظات اللي بيفضل واقف فيها من غير تفكير، الصمت اللي بيجي في دماغه اول لما حد يقوله “ايه رايك؟“

سوبرماركت؟

في اضاءة فلورسنت بتلمع علي كل الرفوف في الوقت ده من اوقات اليوم. ريحة البلاستيك و التكييف. ادم واقف في اول ممر الشيبسي. الاكياس كلها بتلمع، حوالي عشرين نوع من اكياس الشيبسي المتلونه. ايده ممدودة علي كيس منهم و عينيه علي التلفون. مش بيعمل حاجه علي التلفون، بس مش قادر يختار هياخد اي كيس. بعد دقيقتين و هو واقف متنح. فتح واتساب.

دخل علي شات ماما حبيبتي، و سالها “ماما اشتري شيبسي ايه؟” الرد نزل عليه زي الصاعقه “اشتري اللي انت بتحبه يا حبيبي” رفع عينه من علي الموبايل، بص بصه علي الرفوف، بعدين بص تاني علي الموبايل خرج بره واتساب و دخل علي TikTok و كتب “Best Chips Flavor 2024” اول فيديو طلع لحد مجهول بيقول النكهة ديه “Changed my life” رفع عينه من علي الموبايل، بص علي الرفوف، خد نفس النكهة اللي في الفيديو و مشي.

صالة؟

الساعة اتنين بليل باين، الجو ضلمة اوي ايه ده يا ادم انت بتعمل ايه. اه اه ادم قاعد علي الكنبة، الريموت في ايده، و التلفزيون قاعد بيلعب اللوجو بتاع Netflix بقاله ربع ساعة. ادم قرر انه يتحرك اخيرا، بدا يسكرول لتحت عمال بينزل، ايه يا ادم رايح فين، عينه عماله بتتحرك بسرعه كانه بياخد مخدر و انعاكس الشاشه بيجري في عينه، عمال بيبص علي ال thumbnails بس مش لاقي حاجه تشده.

ادم زهق رمي الريموت علي الكنبة، مسك الموبايل، سال ماما تاني، بس ماما ردها ثابت “اللي تحبه يا ادم” فتح المره ديه Instagram و فضل يتفرج علي stories لحد ما نام، من غير ما يتفرج علي اي فيلم.

اوضة؟

اوضة ادم، مضلمة برضو، انا بدات اشك فيك يا ادم، قربلي كده شويه علي الموبايل، كمان شويه، طب يعم ما انت تمام اهو، قاعد بيسكرول في توتير، هو مش بيدور علي حاجه بس عنده احساس انه ممكن و هو بيسكرول يلاقي حاجه تعجبه. ايه ده وقف اهو، لاقي تويته فيها افضل عشر كتب غيرت حياتي لسنه 2025، حطهم كلهم في قائمة عنده في Goodreads، شطور يا ادم.

بعدها لقي تويته بتقول الناس المنتجه بتصحي بدري، بتعمل ايه يا مجنون ده ظبط منبه علي الساعه سته. ادم عمال يقراء تويتات و ياخد افعال غريبه، بيعمل سكرين شوتس كتير، بيدوس Save لتوتيات بالهبل.

المرايا؟

ايه الحلاوه ديه يا ادم، واقف قدام المرايا، اللمبه بترعش وراه، قاعد بيحلق دقنه، صمت رهيب حتي صوت المكنه مش واضح ضبابي. ادم فجاءه سال نفسه “هو انا بحب ايه؟” السوال وقف جوه دماغه، وبعدين flashbacks سريعه اتجابت قدام عينه. شاف الاغاني اللي بيسمعها علي Spotify، فكر في الافلام اللي بيشوفها، فكر في الكتب اللي علي رفه. الاغاني كانت من ترشيح Spotify، و الافلام كانت من فيديوهات تيكتوك. و الكتب عشان الناس قالت انها غيرت حياتهم.

رجع للمرايا تاني. سمع صوت اغنيه كان بيحبها و هو طفل. الاغنيه بعيده اوي، تحس صوت راديو قديم مش متضبط. ادم بيفكر هو انا بعمل ايه. بعدين فاق، لاقي نفسه عور نفسه و بينزل دم.

قبل ما تكمل، ايه رايك في ادم؟ ايه اول حاجه جت في دماغك لما سمعت قصه ادم، هل حكمت عليه؟ هل تعاطفت معاه؟ هل شفت نفسك فيه؟ حسيت بحاجه طيب؟

ليه ادم مش قادر يكون عنده راي

خلينا نتكلم بقا عن ادم، الشخصيه اللي في الحقيقه انا مخترعتهاش، ادم هو النتيجه الطبيعية لجيل اتربي ان دايما في reference جاهز لكل حاجة. جيل اتعلم ان لازم الموافقه تيجي من برا، اللايكات اللي علي بوست منزله بلبس معين، طريقه مذاكرتك، حتي ارائك و افكارك شخصيا.

المشكلة الاساسية هنا، اننا دايما بقينا بنروح نشوف ال reference قبل ما نعمل اي رده فعل، لما تشوف فيلم، مبتقولش رايك، بس بتشوف راي الناس التانيه، بعدين تكون رايك علي اساسه، المرعب بقا السوال لما يتسال و يتقال “هو انت ديه فعلا فكرتك؟ و لا بتقول كده عشان اتاثرت من الناس التانية”

في علم النفس المعرفي، متسالش ايه ده، في مفهوم اسمه التحقق الاجتماعي او بالانجليزي يعني “Social Validation” و المعني ان الانسان بطبعه بيدور علي تاكيد من الناس ان تصرفاته صح. في الحقيقه ده طبيعي جدا، و انساني و موجود من ايام رجال الكهوف.

بس اللي اتغير، او باظ بشكل اصح. هو السرعة. ال validation زمان كان بياخد وقت، وقت فيه بينضج راي اولي بتاعك انت، بطريقتك انت، و بعدين تروح تتاكد منه بقا. بس دلوقتي علي العكس تماما انت اول ما ال credits بتنزل بتفتح letterboxd و عد ال reviews بقا يا معلم.

و طبعا المخ يعني انت جتله في الحته اللي بيحبها، الكسل، بيشوف ده كاختصار ممتاز، و بيبطل يفكر، عشان ليه افكر، طب ما في ناس فكرت قبلي. في حد بالفعل كون راي ليه انا اكون راي الخاص ما الدنيا تمام اهي يبني.

ادم في المحل

في الموقف ده، ادم معرفش يختار الشيبسي مش عشان هو مش عارف بيحب ايه، بس عشان هو بقا شايف و اتعود ان القرار ده عشان يتاخد صح و يتستغل احسن استغلال لازم يبقي في reference، فالاول الموضوع بدا كنوع من انواع المساعده، بعدين اتحول لعاده هو بيعملها، بعدين العاده اتحولت لاعتماد كلي علي ال reference ده.

الاعتماد ده انتقل من الشيبسي للافلام، و من الافلام للهدوم، و من الهدوم للاراء الشخصيه كلها. قبل ما نكمل بس مش معني الكلام ده انك تستشير حد ديه حاجه وحشه. بس الفرق هنا انت بتسال بعد ما كونت رايك، و لا عشان تختصر وقت التفكير و توفر مجهود. الموقف الاول هو اللي الصح، التاني انت بتموت نفسك بالبطئ.

الاختيار

لا لا مش المسلسل، الاختيار عموما في الحياة. في كتاب مشهور اوي اسمه “The Paradox of Choice” للكاتب اللي مش هقول اسمه عشان مش مهتم. كان بيقول ان زياده الاختيارات مش بتزيد السعاده، بالعكس بتزود القلق. لان كل ما الخيارات بتزيد، كل ما الاحساس بالمسؤولية عن القرار بتزيد، و بالتالي الخوف من الاختيار الغلط بيزيد.

ادم لما كان فاتح Netfilx، كان قدامه مليون فيلم، كل فيلم بيظهر قدامه، دماغه بتبدا تقوله”حاسب لو اخترت غلط هتفوت حاجة احسن” فالحل بالنسبة له متختارش خالص.

في حاله ادم بقا، بدل ما يثق في نفسه او يحاول حتي يقلل اختيارات. النت حلها بطريقة تانيه، خلاه يحول اي قرار هو عاوز ياخده لحد تاني. و كل مره بيعمل كده، بيتعلم ان القرار مش حاجه لازم تيجي منه. ما عادي اهو بيتاخد من حد تاني و الدنيا لسه شغاله اهي.

الحمام

في الحمام بقا، لما سال السوال الصعب اوي ده، “انا بحب ايه؟” في الحقيقه ده سوال يبدو انه بسيط، بس هو مش بسيط، اصله مش سوال بيسال علي معلومه، ده بيسال عن هوية كامله. و هويه الانسان مش بتتكون من فيديوهات تيكتوك، او ممكن و الله ليه لا.

لما ادم بص في المرايا و حس بالفراغ اللي حس بيه ده. ده مش معناه انه معندوش شخصيه. معناه ان شخصيته اتبنت بكميات كبيره من مواد خارجية، مواد هو حتي معندوش القدره انه يختارها او يحددها هي بتيجي زي ما تيجي كده.

يمكن فعلا ال “algorithm” عارفه انت بتوقف علي ايه، بس مستحيل تعرف انت بتوقف ليه و انت عمرك ما سالت نفسك السوال ده.

هتسال نفسك اكيد ايه اللي اتغير عشان ادم يبقي كده؟ لو قولت عشان النت وحش. فانت بوظت الدنيا يبني، ده تبسيط مخل جدا، الاجابه في ثلاث حاجات اتغيرت مع بعض في نفس الوقت:

  1. ال Feedback Loop اتسرع: ايوه المقاله ديه كانت معموله ككونكشن كابستون بس ما علينا، خلينا نتكلم عن الفيدباك لوب. زمان كنت بتعمل حاجه و بتاخد رد فعل عليها بعد وقت، ممكن توصل لايام. دلوقتي انت الرد بيجي ليك في ثواني و ده بيخلي دماغك يعتمد علي الرد ده عشان يعرف هو صح و لا غلط، و اللي خلاه اعتماديه اكتر من اللازم.
  2. الصمت قل: التفكير المستقل اللي محتاج هدوء. محتاج فراغ. قل مبقاش موجود يعتبر، بقا دايما مصتحب باحساس القلق، لاننا اتعودنا زي ما قولنا في مقالات سابقه ان الفارغ لازم يتملي بمحتوي، فبدل ما بنفكر بنملي الفراغ ده.
  3. الاراء الاصلية اتقل قيمتها: في ثقافه المجتمع الحالي، بقا الراي اللي بلا reference مجرد راي ساذج، انت ازاي بتقول الكلام ده من غير ما تقرا عنه؟ بالتالي الناس بدات تشوف رايهم الاول، اللي هو في الحقيقه اكثر راي حقيقي عندهم، كحاجه لازم تتحسن قبل ما تتقال.

في نص المقال، سالتك “ايه رايك في ادم؟” و انا عارف ان الاجابه اللي جات في دماغك دلوقتي بمجرد ما قرات التحليل، انها ممكن تكون مختلفه عن اول لحظه لما السوال اتسال اول مره. ده هو صلب الموضوع.

في المره الاولي، الراي اللي انت كونته، جه من رايك الشخصي الحقيقي، تجربتك مع النص و مع ادم، بس بعد ما قرات التحليل، بدات تفكر انا راي غلط، و لا راي صح، ممكن اضيف عليه، انا حاسس انه غلط. في الحقيقه انت كده صح، انت قاعد بتطور رايك بس مش بتغيره كليا. و ديه الشعره اللي بتفرق بين التفكير النقدي اللي بيتطور و بيتغير مع التجارب، و التفكير الاعتمادي.

ادم مش حالة نادرة، ادم بيتكرر كتير في اجيال مختلفه. بس في الجيل ده، النادر هو اللي مبقاش ادم. ال transition اللي بقا بيحصل للجيل بتاعنا كله بسبب ال algorithm اللي شايل عنك كل قرار، و بقا في مجتمعات كامله تقولك انت مين و بتحب ايه. التكوين للشخصيه بقا بيتعطل. مش بيتوقف بس بيتعطل.

وعكس ما عنوان المقالة بيقول، و عكس الحملة بتاعت النظافة المشهوره، “اوعي تكون زي ادم” التفكير المستقل مش هدف بتوصله و بيخلص، ده ممارسة يومية بتعملها زي المشي بالضبط، مش لازم تقطع ال marathon كله بس علي الاقل متوقفش تتحرك.

و حتي فكر فيها مش من المرعب ان كل ارائك تكون في الواقع مش ارائك و تم تكوينها بسبب بوستات و فيديوهات انت في الواقع ملكش فيه اي اختيار، فكر فيها كتير، تقدر حتي تختبر نفسك دلوقتي، و تكتب رايك عن المقاله تحت في الكومنتس، ولا ايه رايك؟