“عاوزه فرنساوي و لا روتو يا حبيبي”، الجملة ديه كنت بسمعها كتير اوي في المكتبات، ممكن تبدو لك طبيعيه، اصل هتطلع محتوي ايه منها المره ديه، خليني اقولك انك زعلتني، اه و الله، يعني بتشكك في قدراتي اني اطلع محتوي من اقل حاجه، طب خليني اخدك في رحله جديده.

في العامية المصرية، نطق كلمه قلم و ألم هو نفس الشئ، اما لو روحنا للغة العربية، في اللي بيفصل ما بينهم هو حرف واحد بس، همزة صغيرة في أول الكلمة، بتنقل الكلمة من اداه كتابه، لاكتر احساس مكروه علي الاطلاق. مظنش ان ديه صدفة لغوية بصراحه. اصل فكر فيها كل حاجه اتكتبت و تستحق انك تقراها اتكتبت عشان حاجه وجعت شخص ما. القلم و الالم مش توام بس مع ذلك بيتقاطعوا طول الوقت.

و عشان اثبتلك ده اكتر، فكر كده معايا اخر مره حسيت بفرحه حقيقه كانت امتي، بالنسبه لي كانت لما خلصت الامتحانات، لو بصيت بقا علي الفرحه نفسها هتلاقي سببها اني عديت فتره كانت صعبه، عديت فتره مليانه الم، و ده بالضبط اللي بيحصل معاك كل مره، كل مره هتحس بفرحه كبيره اوي، هتلاقي ان السبب ان كان في الم و انت عديته. ومظنش ان ديه صدفه يعني.

في الحقيقه. انا مش جاي النهارده عشان اكتبلك مقاله فلسفية اكاديميه بمصادر و مراجع و فواصل و اقولك بعد المقاله انزل بص بصه، لا لا مش اسلوبي خالص. انا هنا عشان اجاوب علي اسئله الساعه تلاته بليل. اول لما البيت يهدئ و الضوضاء تخف (عمرها ما بتخف يعني انا في المرج بس اشطا) و تسال نفسك سوال: “ليه مش قادر ابقي مبسوط بس؟ ليه الراحه مش كفايه؟ ليه لما بيكون كل حاجه تمام، في حاجه دايما بتبقي ناقصه؟” و نجاوب عليها. اربط حزامك و استمتع يا عزيزي.


الامير الصغير

مارك مانسون، الراجل اللي قريت من عنده القصه ديه، و مولف كتاب فن اللامبالاه اللي محدش اهتمله غير لما محمد صلاح اتصور بيه، و برضو محدش اهتمله يعني، بس ما علينا. بيقول في كتابه قصه جميله جدا خليني احكيهالك.

من 2500 سنه باين، اتولد طفل جديد في مملكه كبيره، الملك او اب الطفل ده، فكر في فكره جميله جدا يعني ما شاء الله عليه، قالك الملك انا ليه مخليش ابني يعيش حياته كلها بساعده، مفيش ذره حزن واحده، و فعلا بدا الملك ينفذ فكرته عشان يسعد الامير الصغير طول حياته. اول لما الطفل جه كان عايش وسط اسوار عاليه جدا، معزول تماما عن العالم الخارجي، بس معاه كل ملذاته جوه، اكل و شرب و لعب و حتي جواري (يا بختك يا عم). بس عكس المتوقع الطفل مكنش دايما مبسوط، كان حاسس ان حياته ملهاش معني.

و فضوله بدا يسوقه و حب يعرف ايه اللي ورا الاسوار يا تري، عشان كده من ورا ابوه طلع برا السور و قال يبص بصه، و يارتيه ما بص، الامير الصغير اللي دايما اتعود علي مظاهر الترف و الفرحه، لاقي النقيد تماما ورا الاسوار، لقي ناس جعانه و ناس بتنام علي الارض و ناس بتموت و يعني الدنيا كانت بايظه خالص ورا. بس الامير لمعت في عينه فكره.

فكره الامير كانت انه يهرب من سلطه ابوه و الفرحه اللي بيقدمله، و يروح يعيش وسط الاسي و المعاناه، كان تفكيره ساعتها ان اكيد عشان انا دايما مترفه معنديش معني لحياتي، لكن لما اعاني شويه هلاقي معني، و بالفعل خد هدومه و نط من علي السور و نزل في التراب و كل من الزباله و كل الكلام الجميل ده. بس بعد فتره كبيره، الامير استوعب حاجه، استوعب ان اللي بيعمله ده ملوش لازمه.

قام كده و شال التراب من علي هدومه و استحمي و نضف، و راح قعد تحت شجره يسال نفسه، ايه الهبل اللي عملته ده؟ و ليه حتي بعد ما عملته ملقتش معني لحياتي؟ الاسطوره بتقول ان الامير فضل قاعد هناك حاجه واربعين يوم، بس متركزش اوي يعني، المهم ان الامير ساعتها استوعب. انه اصلا في القصر كان بيعاني، كان بيعاني ازاي يعني مش انت قولتلي دلوقتي انه كان مترف و عنده جواري؟ ايوه كان عنده كل ملذاته بس المعاناه برضو كانت معاه.

الامير، بيقول ان كل الناس بتعاني، الغني بيعاني بسبب غناه، و الفقير بيعاني بسبب فقره، و اللي عنده اسره بيعاني بسبب اسرته، و اللي معندوش بيعاني بسبب عدم وجود اسرته. كلنا بناعني سوا انت في الجحيم او في النعيم. فانك عايش اصلا ده نوع من انواع المعاناه. استكمل كلامه بعد كده وقال، ان الالم و المعاناه هما حاجات مش من المفروض تهرب منها و لازم تبطل تحاول اصلا، لان زي ما الامير حاول يهرب من معاناته في النعيم و راح عشان يجرب معانته في الجحيم في الحالتين انت هتعاني هتعاني.

حاجه كمان اكتشفها الامير، هي ان السعاده مش معادله رياضيه! بجد و الله؟ اه و الله، الامير قالك ان مينفعش تقول ان لما اوصل هناك هبقي سعيد، او لما اشتري كذا هبقي سعيد، لان السعاده مش حاجه مفهومه، مش داله تديها X تطلعلك Y. و ده شئ يعني مفهوم و منطقي جدا.

الامير الصغير ده كبر و بقي بوذا، يعني لو متعرفوش فهو شخص ما مهم يعني في الهند و الكلام من ده. بس لو تلاحظ ففكرتنا الاوليه فعلا صح، الالم بيصنع حاجه مهمه، زي ما بوذا الامير الصغيور بدا يتامل في الكون و يتكشف اكتشفات فلفسيه مهمه ده شجره، بسبب المه الناتج من تربيه ابوه الغريبه، اكيد في نماذج تانيه بتتبع نفس الشئ.


العقل

تخيل معايا ان في موسيقي سبوع شغاله في الخلفيه، صوت دوشه عالي و كله بيتكلم، ايه ده انت اهو في النص احنا عاوزينك اصلا، الرويه مش واضحه اوي الدنيا دوشه و كله بيجري و كله بيسقف و بيضحك احنا محتاجين حد عينه احسن مني، اه اه تعال نبص من منظور قرايبك. اه كده احسن بكتير يا راجل.

انا جبتك هنا عشان اوريك اول حاجه اتعملتها و انت لسه ملفوف كده، الحاجه ديه هي “الالم”، انت اتولدت و انت عارف الالم قبل ما تعرف اي حاجه. جسمك الصغير ده كان عارف الالم و كان بيستجيب ليه من خلال المستقبلات العصبية اللي بتكتشف الاذي، اللي العلم طبعا سماها باسماء طويله مش هتفيدنا هنا، المستقبلات ديه هي عباره عن نظام حماية متطور جدا بيحميك من اي خطر. الغريب ان في ناس بتتولد من غير القدره ديه، تخيل في ناس بتتولد من غير ما تحس بالوجع. بس للاسف مفيش حد منهم عاش فتره طويله. اعتقد انك سمعت قصصهم كتير و انت صغير او اتكعبلت فيهم حتي في ريلز فمش هتكلم عنهم كتير.

اللي علم الاعصاب عمله بقا ان خد الكونسبت ده و طوره و اكتشفوا موخرا حاجه عظيمه جدا، الالم مش زي ما احنا فاكرين رساله بتنتقل من الجسم للمخ مثلا علي شكل كهرباء زي الطبيعي اللي نعرفه. بس طلع لا الالم ده بناء كبير معقد، المخ هو اللي بيعمله بنفسه، و ده اللي خلي المخ مش “بيستقبل الالم” بل “بيصنعه”. بمعني ان المخ مش بس بيستقبل الم، فيقول “اهههه يا نهارييي” لا هو بيحدد كميه الالم و تجربته بناء علي السياق، الخوف، التوقع، الانتباه. كلهم بيغيروا التجربه.

عشان تكون متصورها تخيلها زي القلم بالضبط، كل ما تغضط عليه هيطلع حبر اكتر، ده التفسير مثلا لما تلاقي حد بيتالم و ايده مبتوره، و ده السبب اللي لما الدكتور بيقولك معلش يا حبيبي هتوجع شويه بتوجع اكتر من لو متكلمش. المعني اللي بتحطه للالم و تصورك ليه بيغير تجربه الالم كلها. الكلام اللي كنت بتسمعه من اندرو تيت طلع صح يا عزيزي. بس المره ديه مش مجرد فلسفه ده علم اعصاب بجد.


ليج-سي

خلينا نتعمق اكتر، عارف لما بتشغل اغاني ليج-سي و بتعيش دور المقتول لما صاحبتك تسيبك. لما بتحس بالرفض، بالخسارة، بالوحدة، المخ مش بيسجل ده في خانه “مشاعر”. المخ بيسجل ده في نفس الدوائر العصبية اللي بتتعامل مع الالم الجسدي. يا نهاري بتتكلم جد؟ ايوه.

في كام مصطلح كده في المخ و الله ما كاتبهم، ديه المناطق اللي بتنور لما بتعمل MRI و انت حاطط ايديك علي حاجه سخنه، يعني وجع حقيقي. نفس المناطق ديه بقا بتنور لما حد يقولك “مش عاوزك في حياتي!!” و لازم علامتين تعجب عشان ينوروا. يعني لما حد يقولك “تخطي ده مجرد شعور” هو بيقولك انك تتجاوز حاجه بيسجلها مخك بنفس الطريقه اللي بيسجل بيها كسر العظم، انت اهبل يا حبيبي.

في بحث تاني اتنشر سنه 2021، اقترحوا ان المخ عنده مسارين منفصلين: مسار للالم الحسي، و مسار للمعاناه. عتجولي يعني ايه يا زياد، في الحقيقه يا عزيزي اللي بيتقال ده بيغير اللعبه تماما، اللي بيتقال ان المخ عنده مسار لاحساس الالم، و مسار تاني للالم نفسه. عشان تفهمني تخيل مريض تحت تخدير جزئي، المريض ساعتها بيبقي حاسس بالالم بس مش بيتعذب مش بيعاني ده لان مسار الالم مقفول بس مسار الالم الحسي مازال مفتوح. او ممكن العكس يحصل زي انك تحس بالفراغ او القلق هنا انت حاسس بالالم بس مش بتعاني منه جسديا مش بتتعذب.


عجلة عم حماده

طب برضو يا عم زياد انت لسه مقولتليش ليه الراحه لوحدها مش كفاية؟ سوال غريب فعلا، بس فكر فيها كده لحظه، احنا في اكتر عصر مريح في تاريخ البشرية. عندنا تكييف، و دليفري، و كل محتوي العالم في ايدنا. بس مازلات معدلات الاكتئاب و القلق في مستوي عالي، بل في اعلي مستوي شهده التاريخ كله.

في سنه 1971، في عالمين هطلق عليهم عم حماده كاسم مجمع، عملوا حاجه سموها “طاحونه اللذة” بس انا برضو هختذلها و اقول عليها “عجله عم حماده”، عجله عم حماده كانت فكرتها بسيطه الا وهي وصف عجله حياه الانسان، يكسب فلوس، يفرح، يرجع لنقطه الاساس، يتجوز، يفرح، يرجع لنقطه الاساس، يحقق حلمه، يفرح، و بعدين اكيد عارف رايح فين.

انت ممكن تقول طب ليه ده بيحصل ليه العجله بتلف، ده اللي بيوصفه بقا التكييف اللدي، ايه ده يسطا معلش معلش اعذروني خلينا نقوله بالانجليزي احسن “hedonic adaptation” و ده اللي بيوصف ان الانسان بيتعود بسرعه علي اي متعه او انجاز، الحاجه اللي بتبقي مثيره جدا في الاول، بعد فتره المخ بيرجع لمستوي ثابت نسبيا من الاحساس، و بتبقي مثيرة للشفقه.

علي المستوي العصبي بقا، الموضوع اسوء بكتير من عجله عم حماده، مع انها بتوصف حياه الانسان بالضبط الله عليك يا عم حماده، بس هي خلت الموضوع مش مولم حبتين. في المخ في نظامين مختلفين جدا عن بعض نظام الرغبه، ده اللي معظم فيديوهات التيكتوك بتتكلم عنه و اللي مسئول عنه الدوبامين. ونظام الاستمتاع الفعلي، اللي الافيونات الداخليه مسؤوله عنه. الاول عامل شبه العيال الزنان بيفضل يطلب من غير ما يوقف هو عاوز تاني يعني عاوز تاني، اما نظام الاستمتاع ده عامل شبه العيل المتربي (عافانا الله) تقوله لا بيسكت و بيزهق.

يعني مثلا انت عاوز شيبسي، بتاكله، اللذه بتدوم ثواني، بعدين انت عاوز تاني، في اللحظه ديه الدوبامين هو اللي بيزقكك عشان تاخد تاني بس عمره ما بيديك السعاده انك وصلتله. اصلك بالفعل ماسك الكيس و جرعه السعاده اتاخدت لما وصلت الهدف. مخك هنا بقا عاوز حاجه تاني غيرها عشان يديك جرعه سعاده و رضا فعلا، فين الهدف اللي بعده بسرعه. شايف احنا رايحين لفين، احنا عاملين نمشي لتحيقق موديل عم حماده، فرحه زعل، فرحه، زعل، فرحه، زعل و لفي بينا يا عجله.


الضربة اللي متموتش

كانت غلطه حقيقه مقوله الضربه اللي متموتش تقوي و الكلام ده، لان مش كل الم بيبني، مش كل معاناه بتطلع نضج، في الم بيفجر و بيسحق، وفي صدمات بتبوظ الدنيا، لو الموضوع كان بسيط كده، “اتالم و هتنضج” كنا كلنا بقينا ناضجين.

بس اللي بعدين ظهر في علم النفس، من ورا دراسه النمو ما بعد الصدمة او ال “PTG” ان شريحة كبيره جدا من الناس اللي مرت بتجارب مؤلمة حاده بيبلغوا عن تحول ايجابي حقيقي. علاقات احسن، شعور اقوي بالهويه، و تقدير اكبر للحياه.

التحول ده مش بيحصل غصبن عن الالم، بس بيحصل بسبب و من خلاله. النقطه اللي بتحدد بقا انت هتسلك اي مسار، هي ازاي هتتعامل مع الصدمه، الهروب لحاجات تنسيك زي الموبايل السجاير او بس مجرد اقناع نفسك ان مفيش حاجه، اكيد بيوصل لمكان غير التعامل الواعي معاها.


سندوتشات الكبده

في الحقيقه قبل علوم الاعصاب و الكمبيوتر و النت، الفلاسفة كانوا بيقعدوا يفكروا في المعاناه او الكبد ده بشكل مستمر، هنلاقي مثلا واحد زي شوبنهاور، الالماني المتشائم الاعظم، قال حاجه ممكن تبان كئيبة بس فيها قدر من الصدق: “اللذة في الغالب مش حاجة ايجابية، هي مجرد توقف مؤقت للألم. الأكل بيرجعلك اللي الجوع اخده، الدفا بيرجع اللي البرد اخده، المايه لذيذه عشان العطش الم” ده مش تشاؤم بس ديه الحقيقه للاسف.

علي الصعيد الاخر(فين في المنوفيه يعني؟) هنلاقي حد زي نيتشه، قال حاجه مقاربة “الالم ماده خام بتتشكل منها القوه و الشخصيه، مش عقبة” و قال “اللي مش بيقتلني بيقويني” الجمله اللي حلبوها لحد ما بقت كليشيه بس في سياقها الاصلي هي اعتراف ان التحدي هو البيئه الوحيدة اللي فيها الذات الحقيقه بتتشكل.


الحكمة

كل اللي قولته فوق ده مش هدفه انه يلغي الالم من حياتك، بس بالعكس هيخيلك تستقبل الالم بشكل مختلف، زي ما قولنا الانسان مخه قادر انه يغير تجربه الالم بناء علي حاجات كتير، وعيك لوحده ممكن يقلله بشكل مرعب. خلينا نقول بتعبير مخل، ان مسكتك للقلم بتحدد انت بتكتب حلو و لا لا، وزيها برضو الالم مسكتك ليه ووعيك بيه بيغير تجربتك و استقابلك ليه.

طبعا يعني مش بقولك انك تبقي مازوخي و تبقي بتحب الالم، بس علي الاقل لما تقابله في حياتك المره ديه عوم مع الموجه مش ضدها، تجربتك هتختلف جدا، و هتحافظ علي سلامك النفسي، و المره ديه الضربه اللي متموتش بجد هتقوي.


الخاتمة

انا عارف انك يمكن بتستني النهايه عشان ترتاح، و تسمع موسيقي هاديه، خاتمه دافيه تقفل الموضوع و حد بيهمس “متنساش تتفرج علي الحلقات اللي جايه و الحلقات اللي فاتت و تنزل تبص بصه علي المصادر” بس فوق احنا هنا في ويبسايت محترم.

في الحقيقه انا مش متاكد ان الفكره كلها اننا “لازم نتالم عشان نفهم الحياه” لكن الاقرب اننا بنعيش كل يوم وسط نوعين من البشر، الاول اللي بيدور علي تقليل الالم في حياته قدر الامكان، و تاني اللي طول الوقت بيدور علي سبب يخلي الالم مفهوم و مطلوب مش مجرد عبث.

وممكن اصلا المشكله مش في الالم نفسه، ممكن المشكله في توقعنا ان الحياه لازم تكون من غيره. و لان واقعنا في انواع كتير من الالم، عندك الم جاف، الم سنون و كده. فانا مش هعرف غير اني اقولك، كان معاكم زياد حسام من الشبكة العنكبوتية